العبرة في الزهد بالشهرة!
قيل كلام كثير عن الشهرة، وكيف أنها كما يقول فولتير «حمل ثقيل»، أو كما يقول المثل الحبشي بأن «الشهرة هي حياة الرجل الثانية»، أو كما يقول أحمد شوقي «تغطّي الشهرة على العيوب، كالشمس غطّى نورها على نارها»، وأخيراً يقول آرثر شوبنهاور «الشهرة مثل ماء البحر، كلما شربتُ منه زاد عطشك».ونظراً لأن الشهرة حملٌ ثقيلٌ وقيود تمنع حرية الحركة فإنني كتبتُ ناصية عبر تويتر أعلن فيها موقفي من هذه «الميزة المتعبة»، تقول الناصية: (إذا أصبحتَ مثلي غير مشهور وغير مؤثر سترتاح من ثلاثة أرباع المعارك التي تدور الآن في الساحة حول المشاهير والمؤثرين في مواقع التواصل الاجتماعي».إن الشهرة حملٌ ثقيل حقاً كما قيل، فهي تجعل الإنسان لا يملك ذاته، ولا يستطيع أن يصرّح بقناعاته الخاصة، لأنه يخشى هذا الجمهور الذي يتحكّم فيه بوعيٍ أو بغير وعيٍ، لأن الجماهيرية مثل الخمرة تسحبك من حيث لا تعلم، بل تجعلك كأنك مجرم يطاردك الناس في كل مكان، وفي ذلك يقول اللاعب الأسطورة رايان قيقز: (لم ألعب كرة القدم من أجل الشهرة، بل لعبتُ لأصبح ناجحاً، ولا أفهم لماذا يرغب الناس حالياً بأن يصبحوا مشاهير؟ لماذا ترغب في أن تكون ملاحَقاً من الناس طوال يومك؟).كما أن الشهرة من جانب آخر لها ثمنها ولها زكاتها، لذلك يجب على صاحبها أن يتحلّى بالفضائل شاء أم أبى، لأن الناس وضعوه في المنصّة، ومن في المنصة يجب أن تكون أخلاقه أخلاقاً مثالية!لذلك يتمنى أكثر المشاهير بسبب هذه الأعباء -أقصد أعباء الشهرة- أن يكونوا أناساً عاديين، وفي ذلك يقول مايكل شوماخر: (أريد أن أكون معروفاً كشخص عادي جداً، وأكون قادراً على السير مثل أي شخص)!والخطورة في الشهرة أنها تشكّلك وتكوّنك دون أن تدري، خاصة إذا كان وعيك قليلاً، وقد التفتت إلى هذه النقطة المذيعة الناجحة أوبرا وينفري، حيث تقول: (إذا اشتهرت دون أن تعرف نفسك، فسوف تتكفّل الشهرة بتكوينك).إن المجتمع الآن بأكثر شرائحه يسعى نحو الشهرة، وهذه آفة من الآفات، خاصة أن الشباب بدأ يربط بين النجاح والشهرة، وفي ذلك يقول الفيلسوف جون فيشر: (مجتمعاتنا يتم تخريبها بإصرار الدعاية على هذه المعادلة: الشباب يساوي الشهرة، والشهرة تساوي النجاح، والنجاح يساوي السعادة).حسناً، ماذا بقي بقي القول: دعونا نختم هذه الأفكار حول الشهرة بعبارة للأستاذ كريم الشاذلي يقول فيها: (الفارق بين طالب الشهرة وطالب المجد أن طالب الشهرة معه تيرمومتر يقيس به مستوى الثناء الذي قيل في حقه، بينما طالب المجد لا يهمه مديح الناس له، فهو عارف لنفسه واقف على حقيقتها، لا يغلب جهل الناس به علمه بحقيقته)!.
©