image
الاستاذ عبداللطيف الضويحي
باحث تنموي، خبير جوائز تنموية، و مستشار و كاتب رأي أسبوعي
الاستاذ عبداللطيف الضويحي

المدونة

الرؤية الخليجية.. وتصويب عقارب الساعة الخليجية

بعد مضي 43 سنة على تأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربية، أعلن المجلس عن رؤيته للأمن الإقليمي منذ أسبوعين خلافاً لما دأب عليه المجلس منذ تأسيسه بالاكتفاء بما يصدره من بيانات ختامية للمجلس الأعلى عقب الاجتماعات السنوية للقادة أو تلك التي تصدر عن المجلس الوزاري لدول المجلس..

كيف يمكن قراءة البروتوكول المختلف الذي جاء من خلاله إعلان هذه الرؤية؟ وهل يحمل توقيت صدور الرؤية الخليجية أي دلالة خليجية أو إقليمية أو دولية؟ إلى أي مدى تأثرت الرؤية الخليجية بالواقعية السياسية ونضج التجربة الخليجية؟ أم أن دول المجلس أصبحت تستشعر الأمن من خلال تصفير خلافاتها البينية والعمل على المشتركات بينها وبين دول العالم؟ هل وصلت الدول الخليجية لقناعة بأن تصفير الخلافات الخليجية البينية وتحييد الخلافات الخليجية الإقليمية والإبقاء على مسافة واحدة مع القوى الدولية في مناطق صراعاتها هو البداية الصحية والطبيعية للنأي بمجلس التعاون لدول الخليج العربية عن الصراعات والمضي في الاتجاه الصحيح؟



هل أدركت دول مجلس التعاون الخليجي أن الاقتصاد وليست السياسة هي المدخل والبداية الصحيحة لوضع البنية التحتية لأي تكتل خليجي حقيقي مؤثر؟ وهل تنجح دول مجلس التعاون الخليجي بمحاكاة التجربة الأوروبية في بناء تكتل اقتصادي خليجي يعكس إمكانات دول المجلس وتطلعات قادتها وطموحات شعوبها ويؤسس لعلاقات اقتصادية ندية لهذا التكتل الخليجي مقابل التكتلات والأسواق العالمية القوية والمؤثرة؟

رغم التفاؤل والآمال التي تعلقها شعوب المنطقة على إيجاد وبلورة مشروع عربي بحجم مجلس التعاون لدول الخليج العربية، يحمل على عاتقه بلورة وتأسيس مشروع عربي نهضوي ويقوم بما تأخرت أو تقاعست عن إنجازه جامعة الدول العربية، في مواجهة مشاريع إقليمية غير عربية تتنامى وتتسع نفوذها بشكل أصبح يشكّل تهديداً وجودياً للدولة والهوية والثقافة وحتى اللغة العربية، إلا أن هناك الكثير من التحديات والصعوبات التي تكتنف هذه المرحلة.

صحيح أن المشروع الصهيوني تكبّد ويتكبّد خسائر وهزائم عميقة على يد المناضلين الفلسطينيين أصحاب الحق في الأرض والتاريخ والحضارة، ويتكبّد هزائم أخلاقية بجانب الهزائم المهنية ومعه الشريك الأمريكي والبريطاني، رغم الدعم السياسي والعسكري والشراكة القانونية لهذه الطراف مع الكيان بكل التهم له بالتطهير العرقي والإبادة الجماعية والتهجير المتعمد والمخطط له.. وصحيح كذلك أن المشروع الإيراني لم يستطع أن يتقدم بل هو غير قادر على حماية منجزاته في كثير من مواقع المناطق العربية، بجانب ما يتعرض له المشروع الإيراني في العمق والداخل الإيراني من تحديات. أما المشروع التركي فمن الواضح أنه يستمد قوته وتأثيره من ضعف وإضعاف الدول العربية المجاورة، أي أن تقويضه مرهون بقوة وتقوية دول الجوار.

لكن الرؤية الخليجية تأتي في وقت يشهد فيه العالم تحولات كبيرة وعميقة بما فيها صعود قوى عالمية مثل الصين وتشكّل تكتلات مثل البريكس، بالإضافة إلى ما يشهده العالم من بدائل للدولار كعملة عالمية وما يعنيه ذلك من تأثير على مستقبل تأثير الدور الأمريكي ونفوذه الاقتصادي، ناهيك عن حركات التحرر الجديدة التي تشهدها أفريقيا ضد الهيمنة الفرنسية على دول الساحل الإفريقية.



كلما كانت الرؤية الخليجية ذاتية ومبنية على حسابات خليجية ووفقاً للساعة الخليجية ومطبوخة على نار خليجية ووفقاً للقيم العربية الإسلامية الخليجية وتبعاً للمصالح الخليجية، ومع تصفير الخلافات الخليجية الخليجية، وتحييد السياسة أمام الاقتصاد وتفعيل مقررات القمم الخليجية والأفكار التي قدمها القادة مثل التحول من التعاون إلى الاتحاد، كان ذلك ضمانة لنجاح هذه الرؤية وفرصة كبيرة لترجمتها إلى مستهدفات وبرامج على المدى المتوسط والبعيد، وتقديم مشروع عربي واضح وحقيقي يحفظ الحقوق والهوية والثقافة والمصالح العربية في مواجهة المشروعات الإقليمية المدعومة ومخاطر تناميها.


مقالات ذات صلة

متى يتحرر العالم من عُقدة إسرائيل ؟

2025-05-20

التاريخ الحديث مليء بالدروس التي تقول إن إسرائيل فكرةٌ قامت في فلسطين على الإجرام والبطش والكذب والخداع، ولم تقم أبداً على الأخلاق والقانون والإنسانية والمشتركات البشرية. مثلما أن التاريخ البعيد والمتوسط يزخر بالحوادث والأحداث التي تؤكد أن هذا الكيان لا يمكنه التعايش مع شعوب ودول العالم شرقه وغربه.

في علم النفس الاجتماعي السياسي هناك فرق بين شعور الخوف وشعور الولاء والاحترام، لكن علم النفس الاجتماعي السياسي يعلمنا أن هناك حالات يتحول معها الخوف من القوي إلى حب وهمي واحترام مزيف وهو ما يعرف باسم علاقة التماهي مع المعتدي، حيث يقوم الطرف الضعيف بدافع الخوف أو البقاء أو تقليل الأذى بإظهار الولاء للطرف القوي المستبد خشية من بطشه أو رغبة بكسب مصالح، لكن ذلك لا يدوم ولا يصمد طويلاً، وهذا ما يحكم العلاقة بين الكيان الإسرائيلي وحلفائه.

لا أعتقد أن هناك من يكنُّ أي احترام للكيان الغاصب في فلسطين، ولا أظن أن هناك من يتشرّف أن يرتبط اسمه باسم الكيان، لكن الإعلام والسياسة والأدوات القذرة قادرة على مونتاج المشهد وتحويل الصورة من الخوف إلى صورة الولاء.

إن حرب الإبادة الجماعية والتطهير العرقي والتجويع غير المسبوقة على الشعب العربي الفلسطيني في غزة لم تبق للإعلام والسياسة مجالاً للحفاظ على السردية الإسرائيلية الغربية، فلأول مرة يقف الإعلام الصهيوني العالمي والإدارة الصهيونية العالمية عاجزين عن إخفاء القُبح والقذارة العميقة لحقيقة هذا الكيان وطبيعته الاستعمارية الإمبريالية، فقد رأى العالم هذا الكيان المجرم لأول مرة بصورته الإجرامية الحقيقية رغم بقايا المكياج السياسي والإعلامي الصهيوني لهذا الكيان.

هذا كيان لا يستطيع أن يتعايش مع غيره، ولا يستطيع أن يعيش مع ذاته، فلو استحوذ على غزة والضفة الغربية والقدس واحتل فلسطين كاملة، سيبقى في حروب مستمرة مع دول الجوار لأسباب أيديولوجية قائمة على عقدة التفوق التي لا يختلف فيها اليمين عن اليسار.

الغارات الخاطفة التي يقوم بها هذا الكيان في داخل فلسطين وخارجها تكشف محاولات الكيان ترميم صورة جيشه المهزوم التي يريد تغييرها لتنسجم مع عقدة تفوقه، فهو يضرب الضفة الغربية، لفشله في غزة، وهو يجوّع سكان القطاع المدنيين بالكامل ويفجّر المدارس والمشفيات ويقتل الصحافيين وعمال الإغاثة وكلها أهداف محرّمة في الحروب، ناهيك عن الحروب تحت الاحتلال، تعويضاً عن فشله بإخراج الأسرى الصهاينة.

كما أن هذا الكيان المجرم يضرب في لبنان وفي سوريا، لفشله في تحقيق أهدافه المعلنة في الداخل الفلسطيني، محاولاً رفع معنويات «الجيش الأقوى في المنطقة»، واستعادة صورة الكيان القادر على حماية ورعاية مصالح الاستعمار الغربي في المنطقة العربية وأفريقيا انطلاقا من عقدة التفوق.

هناك جهل عميق للأسف لدى الكثير من دول وشعوب العالم بفكرة هذا الكيان ومستهدفاته وعلاقاته بالاستعمار الغربي وبكل الحركات العالمية الفاشية والنازية والمهددة للبشرية والأمن والسلم الدوليين.

كما أن هناك جهلاً عميقاً بعمق علاقات ونفوذ هذا الكيان ببعض العواصم والشركات والمدارس الفكرية، وجهلاً مركباً بالفكر الصهيوني وعمله الدؤوب والمستمر على إنتاج وتصدير الأزمات في الدول العربية والأفريقية والعالم.

على العالم أن يفهم -قبل فوات الأوان- أن الخطر الذي يمثله الكيان الغاصب في فلسطين لا يهدد فلسطين والدول العربية والأفريقية والعالم الإسلامي فقط، فعقدة التفوق لدى هذا الكيان ستجعل من أوروبا هدفاً يوماً ما لطموحات هذا الكيان وانتقامه منها.

على الأوروبيين أن يقلقوا من هذا الكيان، وعليهم ألا يركنوا إلى فكرة أن هذا الكيان سيبقى ممتناً للغرب على منحه فلسطين على حساب أهلها وسكانها الأصليين، وعليهم أن ينسوا أن هذا الكيان يقيم وزناً أو احتراماً لهم، بل إنهم ليسوا في مأمنٍ منه، بسبب عقدة التفوق لديه، وبسبب رغبة الانتقام من الأوروبيين، فهذا الكيان لن يتردد أن يفعل مع الأوروبيين، الذين طردوا مكوناته عشرات المرات عبر التاريخ، أفضع مما فعله مع أهل غزة بما في ذلك السلاح النووي، فهو كيان بلا أخلاق وبلا قيم وبلا إنسانية.

على العالم أن يستيقظ ويعيد هذا الكيان الغاصب لنقطة الصفر قبل أن يستفحل معه مرض وعقدة التفوق العنصري فيثأر من الأوروبيين إرضاءً لعقدة التفوق لديه، بدعم ربما وتمويل من الضفة الأخرى من الأطلسي.

الصراع الهندي الباكستاني وتركة المستعمر البريطاني

2025-05-06

شهدت العلاقات بين الهند وباكستان مؤخراً توتراً وتصعيداً خطيراً ينذر بمواجهة عسكرية بين الجارين النوويين على خلفية أزمة كشمير؛ التي نشأت بسبب تقسيم المستعمر البريطاني شبه القارة الهندية سنة 1947، بين الهند وباكستان على أساس ديني، وبقي الخلاف بين الطرفين حول كشمير ذات الغالبية المسلمة، لكن بسبب المهراجا (غير المسلم) الذي يحكم إقليم كشمير طلب انضمام كشمير إلى الهند.

هذه ليست المرة الأولى التي تتواجه بها الهند وباكستان. فقد نشبت بين البلدين حرب 1947- 1948 حول كشمير بعد انضمام مهراجا كشمير إلى الهند خلافاً لرغبة سكان كشمير وغالبيتهم من المسلمين، كما نشبت حرب 1965 حول كشمير كذلك، ثم نشبت حرب 1971 وهذه بسبب دعم الهند لحركة استقلال بنغلاديش أو ما كان يعرف باسم باكستان الشرقية، ثم حرب 1999، وبقيت الاشتباكات الحدودية مستمرة منذ سنة 2000 إلى الآن. لكن التوتر الحالي يكتسب خطورة مختلفة هذه المرة؛ بسبب وتيرة وحدة التوتر بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية، الذي أجج الكثير من الخلافات في العالم.

الاستعمار البريطاني تسبب بالكثير من المآسي في مناطق العالم وخلّف الكثير من بؤر التوتر والصراعات داخل الدول وبين الدول بعضها ببعض، ومن هذه الصراعات: أزمة دولة فلسطين والناجم عن وعد بلفور البريطاني ودعم بريطانيا لهجرة الصهاينة ليحتلوا فلسطين والتسبب بتشريد ملايين من الشعب الفلسطيني حتى اليوم، كما تسبب الاستعمار البريطاني بتقسيم السودان إلى شمال السودان وجنوب السودان، الصراع في نيجيريا بين الشمال والجنوب، الصراع في زيمبابوي وجنوب أفريقيا، إيرلندا الشمالية، الحدود غير المستقرة بين بورما- مينمار، أفغانستان- باكستان، الأزمة القبرصية، بالإضافة لأزمة كشمير.

إن بقاء هذه الأزمات إلى الآن وتفجر بؤر الصراع التي خلفها المستعمر قصداً من حين لآخر، يعني بوضوح أن الاستعمار الغربي لا يزال يتحكم بمستعمراته السابقة ولا يزال يعوق تنميتها وينتهك سيادتها. بل إن المستعمر الغربي هو من يتحكم بالمؤسسات الدولية ويعوقها عن ممارسة دورها في حفظ السلام والأمن الدوليين، مثلما يفعله البريطانيون والأمريكيون في مجلس الأمن الدولي من حماية لمشروعهم الاستعماري الصهيوني في فلسطين والمنطقة العربية، وما ينطوي عليه هذا المشروع من حرب إبادة وتطهير عرقي وتهجير ضد السكان الأصليين في فلسطين والدول العربية ومنح أرض فلسطين للمرتزقة والعصابات الصهيونية المجرمة، إلى جانب ما قامت به الدول الاستعمارية الغربية من استغلال ونهب لموارد الدول التي وقع عليها الاستعمار.

لا بد من تشكيل تحالف يضم الدول التي وقع عليها الاستعمار البريطاني خاصة والاستعمار الغربي عموماً، والقيام بعمل منظم ومدروس ومستمر لملاحقة بريطانيا والدول الاستعمارية الغربية قانونياً وسياسياً وإعلامياً واقتصادياً وتجارياً لإرغام هذه الدول على الاعتراف بكل الجرائم التي ارتكبوها ولا يزالون يرتكبونها بحق الشعوب والدول التي وقع عليها الاستعمار وإرغامهم على دفع كامل التعويضات لكل الشعوب والدول التي وقع عليها الاستعمار البريطاني والغربي.

يجب أن تدفع بريطانيا وفرنسا وغيرهما من المستعمرين الأوروبيين ثمن جرائمهم ضد شعوب ودول العالم الثالث، ولا بد أن يرتدعوا عن الاستمرار بممارسة دورهم الاستعماري الخفي تحت غطاء شركات نهب الموارد في الدول الأفريقية.

يشهد العالم اليوم تحولاً كبيراً في موازين القوى، ويشهد تراجعاً لقوة وهيمنة ونفوذ القطب الواحد، مقابل صعود قوى جديدة في آسيا وأمريكا اللاتينية وأفريقيا، وهذا يفتح الباب على الاقتصاص من المستعمرين الغربيين وقد يكون ظرفاً مؤاتياً لتأسيس منظمة عالمية تقوم على استعادة حقوق الدول والشعوب التي وقع عليها الاستعمار البريطاني والفرنسي والغربي وتسبب بنهب موارد تلك الدول وتهجير سكانها وتدمير حضاراتها وتمزيق كياناتها على يد المستعمر البريطاني والغربي عموماً. يجب أن تنصاع بريطانيا والدول الغربية لمطالب الدول المتضررة منها عبر عقود من الزمن، ويجب أن تدفع الدول المستعمرة كامل التعويضات بالقانون وبالأدوات التي تخلص إليها المنظمة العالمية المنتظرة المناط بها ملاحقة المستعمرين للاعتراف بجرائم الاستعمار في فلسطين وفي كشمير وفي أفريقيا وفي كل مكان.

التعليقات ()

اضف تعليق